ثورة الروبوتات ومحو الفارق بين الإنسان والآلة
جون ثورنهل -
ترجمة : قاسم مكي -
الفاينانشال تايمز -
الْتفتُ إلى (الفتاة الآلية) صوفيا وسألتها «هل ستقومين بتدميرنا؟» ردت قائلة: «لا، إذا كنتم طيبين معي». الحديث إلى كائن غير بشري (روبوت أو إنسان آلي) يثير دائما شيئا قليلا من التوتر كما حدث لي مؤخرا. ولكنها تجربة سنعتاد عليها في المستقبل مع تقدم ثورة الروبوتات. لقد تمت برمجة (الروبوت) صوفيا بطريقة جيدة بقصد التعامل مع خوف البشر من الآلات. ولكن العديد من إجابات صوفيا على الأسئلة البشرية تبدو آلية بعض الشيء. ومن جهة أخرى، فما يذهل أن ملامح وجهها تبدو أشبه بوجه إنسان من لحم ودم. فهي بمقدورها الابتسام والتجهم والغمز بالعين. تمثل صوفيا حالة استثنائية في تقليد التعابير البشرية والفضل في ذلك يعود إلى بعض تقنيات النانو الذكية وإلى نسيج ضام اصطناعي. لقد بدأ منذ فترة استخدام الروبوتات المشابهة للبشر للعمل كحراس أمنيين ومساعدي تمريض ومدرسين وغير ذلك.
ومن المؤكد أن تصبح الروبوتات خلال 10 أعوام أذكى جدا منها اليوم. بل في بعض الجوانب قد لا يمكن التمييز بينها وبين البشر. هل هذه الفكرة جيدة؟ توجد مدرسة فكرية مقنعة تطرح حججا تفند بها صواب استخدام روبوتات شبيهة بالبشر. فالفاصل بين الآلات والناس يجب عدم جعله مبهما أبدا لأن ذلك من شأنه أن يحول البشر إلى أشياء. بالإضافة إلى ذلك وكما يقول بعض الناس من باب الدعابة يجب عليك ألا «تؤنسن» أو تضفي الصفات البشرية على الحواسيب. لماذا؟ لأنها «لا تحب» ذلك. ويعتبر الفيلسوف دانييل دينيت مدافعا بليغا عن هذا الاتجاه في التفكير. فهو يرى أننا يجب علينا اعتبار الروبوتات أدوات تقنية فقط أو مجرد «أرقاء» رقميين يتم تصميمهم وجعلهم «طوع بناننا».
ومن الخطورة أن نمنحها خصائص بشرية لا تملكها. فتجهيزها بأزياء ومستلزمات بشرية جذابة يماثل نشر إعلان زائف. وقال لي في حديث معه في وقت مبكر من هذا العام: «نحن نريد أن نتأكد من أن أي شيء نصنعه سيكون صندوق عجائب فنيا وليس كائنا أخلاقيا. فهو ليس مسؤولا ولا يملك أهدافا. ويمكنك أن تغلقه وقتما تريد. علينا أن نبقي الأشياء على هذا النحو». ربما أن الخصائص التي تميز الإنسان عن الآلة واضحة في حجرة الدرس والشرح. ولكنها تكون مبهمة كثيرا خارجها (في العالم الواقعي). فالملايين من الناس يملكون أجهزة تنظيم ضربات القلب وأحواضا مزروعة في أجسامهم.
لذلك يمكن أن يحسبوا، من الناحية الفنية، بشرا معدلين اصطناعيا. لقد ظلت الروبوتات المتعاونة تعمل في انسجام مع البشر في المصانع. كما «يتحدث» المساعدون الرقميون الذين ليست لهم أجساد مثل سيري وكورتانا وأليكسا إلى الملايين منا نحن معشر البشر في كل يوم. يطرح ديفيد هانسون، مخترع صوفيا والرئيس التنفيذي لشركة هانسون روبوتيكس، سببين لتبرير وجوب استمرارنا في تطوير الروبوتات البشرية. أحدهما سبب مرح والآخر جاد جدا. أولهما أن الروبوتات البشرية مبتكرات فنية ومسلية ويمكنها أن تساعد على إيجاد «مسارات اتصال» جديدة. فهي بحسب هانسون مثل الرسوم المتحركة الحاسوبية ولكن في شكل طبيعي. وهذا ما يمكن وصفه بالفن التشكيلي القادم. فتماما كما أن رسامي ديزني يرسمون في كاريكاتيراتهم ملامح بشرية مبالغا فيها لإطلاق محفزات فوق طبيعية في المخ، كذلك يمكننا أن نجعل الروبوتات البشرية تبدو أكثر بشرية من البشر. يقول هانسون: « نحن نقوم (بتهكير) عصبي للناس. هذا ما يفعله الفنانون». أما السبب الثاني فهو أننا نريد أن تفهم الأنظمة الحاسوبية القيم والثقافة والسلوكيات البشرية حتى يمكننا إيجاد «آلات أخلاقية» للتقليل من مخاطر انفلات الذكاء الاصطناعي. فاللوغريثمات في السيارات ذاتية القيادة مثلا قد تقرر بطريقة غير مباشرة الموت والحياة( بالتسبب عمدا في حوادث حركة مرورية أو تجنبها- المترجم). وذلك هو السبب في أن بعض شركات السيارات وظفت فلاسفة لإعداد أطر أخلاقية لأنظمة القيادة في هذه السيارات. ما يفعله أندرسون هو أنه يضع، بالمعنى الحرفي لكلمة يضع، وجها ماديا (بشريا) على أنظمة الذكاء الاصطناعي لزيادة التفاهم المشترك (بين الإنسان والآلة كما في حالة الفتاة الآلية صوفيا- المترجم.) تستخدم الحواسيب برامج معالجة اللغة الطبيعية للاتصال مع البشر. ولكن جزءا كبيرا من الاتصال البشري غير لفظي ويعتمد على تعابير الوجه وحركات الجسد. ويمكن للروبوتات أن تعمل كمنصات تعلم ذكاء اصطناعي لاستيعاب طرائق تفكيرنا. وبذلك المعنى فإن إيجاد روبوتات بشرية عمل مستفز يقصد به إطلاق جدل حول نطاق ذكاء الآلة. فالروبوتات التي تملك ذكاءً اصطناعيا تظهر ما هو خفي في أكثر الأحايين. يقول: «إذا قمنا بتطوير ذكاء اصطناعي وظل هذا الذكاء كامنا خلف المشهد في مزرعة كبيرة للخوادم الحاسوبية فسيكون كائنا أجنبيا وغريبا على البشر».
إن الكثير من أقوال هانسون تبدو شديد الغرابة ومثقلة بمخاوفها أو أسئلتها الأخلاقية الخاصة بها. فالروبوتات الشبيهة بالبشر التي يمكن استخدامها لأهداف خيرة يمكن أن تكون لها أغراض شريرة أيضا. لقد صار رسم الحدود الفاصلة بين البشر والآلات أحد أشد التحديات إثارة للفضول وأحيانا للخوف في زماننا هذا. كما ينبغي الحصول على أموال ضخمة من استكشاف هذا التفاعل (البشري - الآلي). ولكن ربما أن أعظم الإسهامات التي يمكن أن تقوم بها الروبوتات الشبيهة بالبشر هي أنها تجبرنا على النظر في ما يميز الإنسان عن الآلة، أو ما الذي يجعلنا بشرا حقا؟
